Iambuna


 
 
Home
الرئيسة‎ 
Petition
العريضة

Support
دعم
Links
روابط
VOICES
أصوات
CONTACT
للإتصال بنا
About
عننا
Bookmark and Share
 
 

حوارات الهوية:
الناني ستيت وزي المرأة

الباقر العفيف مختار
2009 31 أغسطس

والناني هي مربية الأطفال و ال ستيت تعني الدولة. والناني ستيت “Nanny State” مصطلح يطلق على الدولة عندما تعامل شعبها مثلما تعامل الناني الأطفال الذين يقعون تحت رعايتها. فالناني توفر لأطفالها الحماية والرعاية: فهي تقوم بتنظيفهم، وتغير لهم "حِفاظاتهم"، وتطعمهم في أفواههم، وتسمح لهم بساعات معينة للعب، ثم تهدهدهم ليناموا، قبل أن تودعهم بنظرة حنونة وهي تردد "ما أروعكم من أطفال". وبطبيعة الحال فالناني تعرف مصلحة أطفالها أكثر منهم، فهي تفكر لهم، وتقرر في مصائرهم نيابة عنهم. والناني ستيت تنوب عن شعبها إنابة تامة، وتريحه من عناء التفكير، وشقاء اتخاذ القرار. فهي تعرف ما يصلح أمره في الدنيا والآخرة. وتتولى تربيته، وإعادة صياغته وفق مفاهيمها التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وهي قد لا تقف عند حد إقصائه من الفضاء العام فحسب، بل منها أنواع تدخل لشعبها في عقر داره، وتطل على غرف نومه، وتتولى عنه حتى تربية عياله. فالناني ستيت، في حالاتها المتطرفة، تحدد لشعبها طريقة مأكله، ومشربه، وملبسه، ومواعيد نومه، وحدود فرحه وترحه، وعلى أي جنب ينام، وبأي ظفر يحك جلده. فهي تريد شعبا هينا لينا، يعرف أن طاعة السلطان من طاعة الله، فيقول سمعا وطاعة، وإن رأى منكرا. وأنى له أن يرى منكرا وقد ولي أمره القوي الأمين؟

لقد شهدت بلادنا حكومات شتى كانت لها حظوظا متفاوتة من خواص الناني ستيت. فالشعب ظل مغيَّبا من أهم القضايا التي تمس حياته، مثل قضايا الحرب والسلام، ومثل قضايا التنمية والتعليم، وأسس بناء الدولة. فالشعب ظل يمثل عظمة نزاع بين أصحاب المشاريع الكلية، سواء كانت يسارية، أو يمينية، علمانية أو دينية. الكل يريد أن يحوله لخنازير غينية يقيم عليها تجربته المعملية، ويطبق فيه نظرياته المسبقة. ولكن هناك فرق أساسي بين جميع الحكومات السابقة وبين الحكومة الحالية. فقد اكتفت الحكومات السابقة بابعاد الشعب عن الفضاء العام، تاركة له الفضاء الخاص، فلم تتغول على حرياته الاجتماعية، ولم تنزع من يده سلطته على أهل بيته. أما حكومتنا الحالية فقد جاءت بما لم يأت به الأوائل، وبزّت جميع من سبقها في أمور أربعة. أولها الوثوقية المطلقة التي لا تقبل من الشعب سوى التصفيق والهتاف، تماما كدور الخرفان في رائعة جورج أُرْوِيل "مزرعة الحيوانات". وثانيها أنها لا تعرف حدودا لسلطاتها. فقد استولت على الفَضَاءين العام والخاص، فأصبح الشعب بذلك مملوكا لها بالكامل. ففي حين اكتفى الحكام السابقون باحتكار السلطة والثروة، قامت هذه الحكومة بالاستيلاء على سلطة الأسرة، ونزعت منها ولايتها على أفرادها. وثالثها أنها تطلب الاستيلاء على روح الشعب ومسخه على هيئتها. ورابعها أن لها رأي في قيم الشعب المتوارثة، بما فيها تلك القيم المستمدة من الثقافة الصوفية. فهذه القيم متهمة عند حكامنا، فهم يرونها مشوبة ببعض الدرن مما يستوجب تنظيفها، وببعض الفلتان مما يوجب الضبط. وهم في ذلك يحاكمون الثقافة الصوفية القديمة بمعيار جديد مستمد من أيديولوجية لم تنشأ في هذه التربة السودانية، بل نشأت عن تجربة شعب آخر، هو الشعب المصري، ومبنية على ثقافة فقهية دخلت السودان لأول مرة مع الغزاة الأتراك في العام 1821.

إن قانون النظام العام والأجهزة المنوط بها تنفيذه هي في جوهرها نابعة من فكرة الناني ستيت المستمدة من أيديولوجية الأخوان المسلمين المصريين. فالفلسفة الكامنة وراء القانون هي أن الأسر قاصرة، لا تعرف كيف تربي أفرادها، لأنها هي نفسها بحاجة إلى التربية. وهذا هو المعنى الذي يعطيه توقيف الصحفية لبنى أحمد حسين. فإذا أخذناها كنموذج، فهي كانت ترتدي ملابس محترمة في نظر أسرتها، وفي نظر جيرانها، وفي نظر جمهور الشعب وسواده، ولكنها غير محترمة في نظر القانون أو منفذيه. وقد ظلت الاستاذة لبنى ترتدي نفس تلك الثياب منذ توقيفها وحتى الآن، وكأنها تريد محاكمة القانون ومنفذيه أمام الناس، وأن تظهر مفارقته لثقافة الشعب، ونسق قيمه المتوارثة. إذن من أين استمد حكامنا هذا القانون؟ هم يكثرون الحديث عن التأصيل الثقافي، والثقافة المقصودة هنا هي بطبيعة الحال الثقافة الاسلامية، ولكن أي ثقافة إسلامية. هناك خطان من الخطوط الثقافية في السودان، فالسودان ليس به ثقافة إسلامية واحدة كما يراد لنا أن نظن. هنالك ثقافتان إسلاميتان. إحداهما مستعربة، والأخرى عربية. الأولى صوفية والثانية فقهية. الأولى حدث لها توطين، وتكونت تكونا وئيدا خلال نحو خمسمائة سنة، أي منذ مملكة سنار وحتى الغزو التركي عام 1821م، والثانية وفدت مع هذا الغزو التركي. الأولى تمثل التجربة السودانية للثقافة الإسلامية، والثانية تمثل التجربة التركية المصرية للثقافة الإسلامية. الأولى أصيلة indigenous و الثانية غريبة alien . الأولى رمزها المسيد، والثانية رمزها المسجد. الشخصية المركزية للثقافة الأولى هو "الفكي"، والشخصية المركزية للثقافة الثانية هو الفقيه. والفرق بين الفكي والفقيه كبير. فالفكي واحد من الناس، لا يختلف عنهم في ملبس أو مسكن أو مطعم. يحدثهم بلغتهم العامية، يصيغ بها الحكم العظيمة، كما كان يفعل الشيخ العبيد ود ريا "الما بقوم فوق نيّة"، وكما كان يفعل الشيخ فرح ود تكتوك، الذي يحذرنا من الوقوف على أبواب السلاطين، والشيخ إدريس ود الأرباب "المحسي الما كضاب". وأهم فارق أن هؤلاء المتصوفة كانوا يكسبون رزقهم من عمل أيديهم، في حين يؤدون عملهم في إرشاد الناس لوجه الله، لا يطلبون عليه أجرا. هؤلاء أناس تواضعوا لله، فرفع الله أقدارهم، وحبّب عباده فيهم. وهم الذين شكلوا النفسية المتسامحة المسالمة الطيبة للشعب السوداني. أما الفقيه فقد ميز نفسه عن العامة في الملبس والمسكن والمطعم. وهو مترفع عن الناس، يحدثهم بلغة كلاسيكية لا تفهمها أغلبية مستمعيه. كما إنه غير متسامح مع أنماط السلوك التي يراها مخالفة. وهو سريع الحكم على الأشياء، وهو في الغالب الأعم، منذر غير مبشر، متعصب، وكأنه يتقرب لله بالغضب والكراهية، واللعن والشتم، والتكفير تجاه مخالفيه، وبعضهم أدمن إثارة الفتنة والتحريض بالقتل. وكلهم يتخذون من الدين وسيلة لكسب العيش. هذه الثقافة الإسلامية العربية هي التي قامت عليها المؤسسة الدينية الفقهية الحالية. ومنذ مجيئها جعلت هذه الثقافة الوافدة وكدها مهاجمة الثقافة المتوطنة، محاولة القضاء عليها أي أن (جدادة الخلا تريد طرد جدادة البيت). مثلت مؤسسات هذه الثقافة الوافدة تربة خصبة لنمو الحركات السلفية، خصوصا حركتي الاخوان المسلمين والوهابية. وقد شكلت حركة الأخوان المسلمين ثقافة ووعي حكامنا الحاليين.

وإذا قمت بتحليل الثقافة الصوفية، من الجانب الثاني، ستجدها قد تسودنت، على مستوى اللغة، وعلى مستوى المفاهيم، وعلى مستوى المؤسسة. وأنها هي التي شكلت الوجدان، والنسيج القيمي للناس. هذه الثقافة استمرت شفاهية غالبا، ومهملة، وبعيدة عن التوثيق والدراسة والتطوير، وبعيدة عن مناهج التعليم والحوار الثقافي. يجهلها المتعلمون، ويترفعون عنها، ويطابقون بينها بين الدروشة والدجل. وظلت تحرسها المؤسسة الطائفية، وهي مؤسسة ينقصها الوعي السياسي، وتتسم بالعجز في أحسن حالاتها، وهي مؤسسة مخترقة في أسوئها. لذلك صارت "ملطشة" للحكام الديكتاتوريين، يستغلونها كديكور، وفي المسيرات والبيعات الكذوب. وهي مُختَرَقة بواسطة أعدائها، خصوصا أهل الحركة الإسلامية، الذين ظلوا يحاصرونها، ويلتفون حولها، ويتحالفون معها، بينما هم يحفرون لها قبرها، ويفتلون لها حبل مشنقتها. الشخص الوحيد الذي حاول التأصيل لهذه الثقافة هو الأستاذ محمود محمد طه. فالأستاذ محمود أخذ جوهر الثقافة الموجودة في الشمال الوسطي النيلي والتي هي ثقافة التصوف وحاول جعلها كونية وذلك باستخراجه منها القيم الإنسانية التي يتفق عليها جميع البشر. كما أنه أحيا وجسّد دور الفكي بعد أن طوّره وحدّثه، فكان "الأستاذ"، واحد من الناس، لا يتميز عنهم بشيء، يعيش عيشتهم، يلبس لبسهم، ويأكل مأكلهم، ويتحدث لغتهم، ويحتفي بإرثهم.

زي المرأة بين ثقافتين:
للزي عموما علاقة بالبيئة الطبيعية، والبيئة الثقافية، وبالقيم الأخلاقية، وبالمعايير الجمالية للمجموعات البشرية المختلفة. هو ينشأ نتيجة التطور الوئيد في الوعي، وتطور أشكال الانتاج الاقتصادي، والتأثر الناتج من الاحتكاك مع العالم. وقد تطور الزي في وسط وشمال السودان وفق هذه الشروط، وأصبح الجلباب والعراقي والسروال والطاقية والعمة بالنسبة للرجال، و الطرحة والثوب بالنسبة للنساء. وجاءت رياح الثقافة الغربية بالبنطال والقميص بالنسبة للرجل، والاسكيرت والبلوزة بالنسبة للمرأة، وأصبحت هذه الأزياء تستخدم حسب المناسبات المختلفة، فتجد الرجال بالبنطال أثناء ساعات العمل، وبالجلباب في المناسبات والأعياد، في حين تجد النساء بالثوب أو اللبس الأفرنجي حسب متطلبات العمل أو المناسبات الاجتماعية. كل ذلك يتم برضاء الأسر، وبقبول الرأي العام المتسامح والمستنير. وإذا خرج خارج من ذكر أو أنثى على ما هو مقبول اجتماعيا في لبسه، فإن الأسرة الصغيرة والممتدة، وكذلك الرأي العام يتكفلون بتصحيح الأمور وإعادتها لنصابها. أما الدولة فلا دخل لها بذلك، إذ ليس من مهام الدول النظر في فساتين مواطناتها، وقياس كم ترتفع أو تنزل عن الركبة، اللهم إلا إذا كانت من نوع الناني ستيت.

وإذا عقدنا مقارنة سريعة بين موقف حكامنا الحاليين، كممثلين للثقافة الوافدة، وموقف الأستاذ محمود كممثل للثقافة الأصلية من زي المرأة لاستبان الفرق. فحكامنا هم في نهاية المطاف أخوان مسلمين. أتوا بالفكرة من مصر. لذلك فقدجلبوا لنا من ضمن ما جلبوا زي الأخت المسلمة المصرية كما هو، وأصبغوا عليه صفة الزي الشرعي، أو الحجاب الشرعي. وفي الآونة الأخيرة شجعوا لبس العباية، بكل أشكالها، الإيرانية، والسعودية، والمغربية، في حين يروج الوهابية للنقاب السعودي الكامل. فالثوب السوداني بالنسبة لهؤلاء جميعا غير محقق للمقاصد الشرعية، وهو معتبر عندهم "يشف" و"يصف". أما البنطال فهو عندهم بالاضافة لكونه "يشف" و"يصف" فإن فيه تشبه بالرجال. وهذا هو التسبيب الفقهي لتوقيف لبنى. ولذلك فهم يحاربون الثوب السوداني، بعضهم يريد القضاء عليه كلية، وبعضهم يفضله بتعديلات، وتشمل هذه التعديلات غطاء الرأس الذي يلبس مثل القناع، مع إطالة الأكمام. وهذه حالة مثالية لأزمة الهوية. أنها حالة من حالات الاغتراب عن الذات، واحتقارها، والرغبة في تقمص هوية الآخرين.

أما الأستاذ محمود، فقد تبنى الثوب، واغتبره محققا للمقاصد الشرعية. أكثر من ذلك رشح الأستاذ محمود الثوب السوداني ليكون زيا عالميا تلبسه النساء في شتى بقاع العالم، وذلك حين ينهض السودان لمقام عزه، ويعثر على ذاته الأصيلة، بعد أن يزيل هذه الصدفة الثقيلة التي تجلس على ظهره مثل صدفة السلحفاة، فيتحرر منها، ويتنفس ملء رئتيه، ويقدم مساهمته للعالم.

Albaqir A. Mukhtar (PhD)

The author is the Director of al-Khatim Adlan Centre for Enlightenment and Human Development (KACE). Dr. Albaqir returned to Sudan in 2007 (after twenty years in exile) to establish KACE: a non-governmental and non-profit organization that undertakes research and campaign on issues related to peace, human rights and democratic transformation. Until October 2006, he was a Senior Fellow at the US Institute of Peace (USIP) where he conducted research on identity and conflict in Sudan. Prior to that he was the Regional Campaign Coordinator for the Middle East and North Africa at Amnesty International in London where he led policy efforts on political, economic, social and technological trends emerging in the Middle East and North Africa region.

He holds degrees in linguistics from University of Khartoum (BA 1984, MA 1988), Aston University (Msc 1991) and in Middle Eastern studies from Manchester University (PhD 1997). His PhD was an interdisciplinary program in philosophy, law, government and political science. He taught linguistics at the University of Jazira; Sudan (1988-90) and Middle Eastern Studies at the Manchester Metropolitan University (1997-2001).

In 1999, he was a research fellow at both University of Ghana-Legon and Northwestern University where he focused on the philosophical underpinnings of Sudanese identity and the civil war. Dr. Albaqir's current research interests include politics, ethics, human rights and identity, as well as social and cultural issues.

 
 

home : petition: support: links: voices: contact : about
copyleft to the people