Iambuna


 
 
Home
الرئيسة‎ 
Petition
العريضة

Support
دعم
Links
روابط
VOICES
أصوات
CONTACT
للإتصال بنا
About
عننا
Bookmark and Share
 
 

لماذا "نعاين فى الفيل ونطعن فى ظله" ؟
السودان وبطلان مفهوم الدولة الدينية
عبد الله احمد النعيم

أبدأ هنا بالإشادة الحارة والتكريم العظيم للموقف المبدئ الشجاع الذى إتخذته الأستاذة لبنى أحمد حسين فى مواجهة التهمة الجائرة والمخلة بأرفع قيم الإسلام ومقومات كرامة الإنسان فى كل مكان. ولكني أقول إنما تكون الاشادة الحقيقة بإتخاذ موقف مبدئ في مواجهة مصدر وأساس هذا القانون المتخلف، و ليس فقط ضد ألمظهر بدل الجوهر. وهذا هو معنى المثل السوداني "تعاين في الفيل وتطعن فى ظله". فالإشادة بموقف ألأستاذة لبنى إنما تكون بمناصرة حق جميع ألنساء فى المساواة التامة فى جميع الحقوق، وتحقيق ألكرامة ألكاملة لهن فى كل مجال فى الحياة العامة والخاصة. وهذه الغاية الشاملة تقتضى ألرفض الكامل لوهم الدولة ألإسلامية المزعومة فى كل مكان.

لقد دفع السودان ثمنا باهظاً لمغامرة الدولة الإسلامية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ولكي يكون ذلك فداء لجميع المجتمعات الإسلامية الأخرى يجب استخلاص العبرة في أمانة ووضوح لأن كل تجربة لا توُرث حكمتها تكرر نفسها. وهناك عبر كثيرة في معاناة جميع أهل السودان، إلا أن أكبر تلك العبر في تقديري هي أن المشكلة الحقيقية هى في مفهوم الدولة الإسلامية نفسه، وليس فقط في فشل التجربة السودانية في ذلك. وإذا لم تـُستخلص هذه العبرة الكبرى، فستقوم جماعة من المسلمين هنا أو هناك وتزعم قدرتها على تصحيح التجربة وتحقيق غاية الدولة الإسلامية، وهو محض سراب ووهم يهلك الأرواح ويهدر المصالح ولا يعود بأي خير على الإسلام والمسلمين
فى هذا المقال تقديم موجزللإطروحة التى بذلت غاية جهدى بيانها فى كتابى عن ألإسلام والدولة المدنية، الذى صدرت طبعته ألأولى باللغة ألأندنوسية عام 2007، ثم صدر باللغة أللإنجلزية عام 2008، وستصدر طبعته باللغتة ألعربية قبل نهاية هذا العام – 2009، إن شاء الله.

خلل المفهوم وحتمية الفشل
إن الدولة الدينية غير ممكنة، دينا وعقلا، لأن المفهوم نفسه متناقض في جوهره وغير ممكن من الناحية العملية، كما انها غير معروفة على مدى التاريخ الإسلامي. ولابد من تقرير ألأمر بهذا الوضوح والتحديد، تحسبا من قول البعض بإمكانية الدولة الدينية وزعمهم بأنهم قادرون على تصحيح التجارب الفاشلة السابقة. فهذا طريق مسدود أمام كل من يحاول السير فيه.

التناقض الجوهري في مفهوم الدولة الدينية هو أنه زعم بالحكم الإلهي المقدس بواسطة البشر وهم مجبولون على الخطأ والهوى والاختلاف فيما بينهم مع إصرار كل منهم على أن الحق معه هو والباطل بالضرورة واقع على كل من يخالفه الرأي. والزعم بالدولة الدينية ادعاء بإحاطة البشر بعلم وحكمة الله سبحانه وتعالى، وهو زعم باطل ديناً وعقلاً. فكل ما هو في علم وتجربة الإنسان في هذه الدنيا فهو بشري وناقص وعاجز وقد خرج بذلك عن قدسية الدين الخالص ودخل في مجال احتمال الخطأ ونسبية الصواب. وبذلك أعني أن كل ما يعلم ويفهم ويعمل الإنسان ربما يكون خطأ، وإن أصاب فإن صحته محدودة بمكانها وزمانها وظروفها الأخرى. فإن صح علم وعمل الإنسان نسبيا اليوم فإنه لن يصح غدا، وإن أفاد في مكان فلن يفيد في مكان آخر.

لهذا، فإن الخلل هو في مفهوم الدولة الدينية نفسه، وليس فقط في تخبط محاولات التطبيق. كما أن تقرير هذه الحقيقة الجوهرية لازم لمعرفة أن ما حدث في السودان خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين هو مغامرة محتومة الفشل لمشروع باطل من الناحية النظرية بما يستحيل معه النجاح مهما تكررت التجارب. فبما أن الدولة هي دائما مؤسسة سياسية لا تقدر على التدين أو الاعتقاد في ذاتها، فالمقصود بهذا الزعم هو القول بأن القائمين على أمر الدولة يستغلون مؤسساتها وسلطاتها لتنفيذ فهمهم هم للدين، وليس الدين كما هو حقا عند الله سبحانه وتعالى. وعندما يظهر الأمر على حقيقته هذه، فسنرى بوضوح خطل زعم الدولة الدينية وخطره على مصالح الناس. وقد دفع السودان منذ نهايات عهد مايو وإلى نهايات عهد الإنقاذ الثمن الباهظ لهذه المغامرات الهوجاء. وعلى الرغم من فداحة هذا الثمن فإن أثر هذه التجارب الفاشلة سيكون لصالح السودان وصالح كافة المجتمعات البشرية في المستقبل القريب، إن شاء الله، لأنه سيكفينا عن مثل هذه الحماقات ويقودنا في سبل الخلاص بتصحيح سوء الفهم وردع سوء القصد والغرض.

أن مستقبل الشريعة الإسلامية إنما يكون في التزام المسلمين بأحكامها بصورة طوعية وليس من خلال التطبيق القهري بواسطة أجهزة ومؤسسات الدولة التي تـَفسَد وتٌفسِد إذا حاولت فرض أحكام الشريعة الإسلامية بالسلطة الجبرية. فبحكم طبيعة وأغراض الشريعة لا يصح العمل بأحكامها إلا في حرية كاملة وقصد خالص وهو "النية" المطلوبة في كل عمل ديني، وينطبق هذا على ما يسمى بأحكام المعاملات مثل تحريم الربا وشروط البيع كما يقوم في أمر العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج، فكل أحكام الشريعة الإسلامية ملزمة للمسلم ديناً بمعزل عن سلطة الدولة الجبرية.

وهذا القول لا يعني بالطبع التقليل من أهمية دور الدولة في أداء وظائفها الضرورية، وإنما فقط تأكيد أن ذلك لا يكون باسم الإسلام. فللدولة وظائفها وأغراضها المعلومة والهامة، لكنها مجرد مؤسسة سياسية مدنية لا يصح أن ينسب لها الاعتقاد الديني أو النية اللازمة لصحة العمل الديني. وحقيقة أن سلوك القائمين على مؤسسات وأجهزة الدولة يتأثر بمعتقداتهم الدينية الخاصة لا تجعل الدولة نفسها إسلامية، وإنما يؤكد ضرورة تمييزها عن الإسلام لأن سلوك الحاكم إنما يعبر عن فهمه هو للأحكام الشرعية وهو مجال اختلاف واسع ومتشعب بين المسلمين على مدى التاريخ. فالإسلام هو عقيدة المسلم التي يحاسب عليها حسب صحة علمه وعمله، بينما الدولة تقتضي استمرارية العمل المؤسسي في الحكم والإدارة والقضاء وما إلى ذلك من وظائف عامة.

فالدولة هي نسيج متشابك من السلطات والمؤسسات التي يتم من خلالها حفظ الأمن العام والقضاء وتوفير الخدمات في مجالات مثل الصحة والتعليم والقيام بتحصيل الضرائب وضبط الإنفاق العام. ولتحقيق مهامها تحتاج الدولة لاحتكار استخدام العنف، أي القدرة على فرض إرادتها على عموم السكان. وهذه القدرة على إنفاذ إرادتها بالقوة الجبرية سوف تأتي بنتائج ضارة بالمجتمع إذا استخدمت بشكل اعتباطي، أو لأهداف فاسدة أو غير مشروعة. لهذا من الضروري إخضاع جميع أعمال الدولة للضوابط الدستورية، وبخاصة المحافظة على حياد الدولة تجاه الدين، بقدر الإمكان، وهو حياد يستدعي اليقظة المستمرة والعمل من خلال عدد من الاستراتيجيات والآليات السياسية، والتشريعية، والتعليمية، وغيرها من الضوابط.

وبالتحديد، فإن الدولة القومية، مثل السودان، لا تقدر على تطبيق الشريعة الإسلامية كقانون عام أو أساس للسياسات الرسمية، ولا ينبغي لها أن تحاول ذلك. وقد ينشأ التساؤل عند القارئ، هل هناك استنادات من القرآن الكريم والسنة النبوية تنفى إمكانية الدولة الدينية أو تدعم مفهوم الدولة المدنية الذي أدعو إليه؟ وأول ما أقول في الإجابة على هذا التساؤل المعقول هو إن العبرة هي في فهم النص وليس في توهم وجود نص قطعي لا يقبل الاختلاف في الفهم. صحيح أن الآية 7 من سورة آل عمران تقول إن من القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، لكن القرآن لا يحدد ما هي هذه الآيات المحكمات، كما ان النبي، عليه الصلاة والسلام، لم يحددها في السنة. فأي الآيات محكم وأيها من المتشابهات هي مسألة في مجال الفهم والاختلاف بين المسلمين، وكذلك الأمر في تفسير جميع النصوص من القرآن والسنة النبوية المطهرة التي يعتقد المسلم أنها قطعية أو صريحة وواضحة. ولننظر الآن لمسألة السند من القرآن والسنة للمنهج المقترح:
أول ما نلاحظ في أمر الدولة أنه لا يوجد نص قطعي بوجوب الدولة الإسلامية أو الدولة المدنية (وهى ما أسميه علمانية الدولة)، بل إن مفهوم الدولة لا يرد في القرآن على الإطلاق ولا مرة واحدة. كما أن القرآن دائما يخاطب الفرد المسلم والجماعة المسلمة، ولا يخاطب مؤسسة أو هيئة يمكن وصفها بأنها الدولة، ولا يستقيم عقلا أن يخاطب القرآن إلا الإنسان المكلف شرعا، لأنه الكائن الوحيد القادر على تطبيق ألأحكام الشرعية بصورة صحيحة من الناحية الدينية.

لذلك نقرر أن حجة من يدعو إلى ما يسمى بالدولة الإسلامية أو يعارضها إنما تقوم على فهم نصوص وملابسات موضوعية في أمور تنظيم شؤون السياسة والحكم والقضاء وما إلى ذلك. هذه الحقيقة واضحة في غياب أي خطاب عن الدولة الإسلامية بين علماء المسلمين على مدى التاريخ قبل القرن العشرين، وإن مفهوم الدولة الذي تقوم عليه دعاوى المودودي وسيد قطب وغيرهم ممن ابتدعوا مفهوم الدولة الإسلامية في أواسط القرن العشرين هو مفهوم أوروبي للدولة الاستعمارية التي تقوم عليها أحوال المسلمين اليوم.

فأنا أقبل ضرورة الدولة كجهاز سياسي لازم في إدارة أمور المجتمعات الإسلامية كغيرها من المجتمعات الإنسانية على مدى التاريخ البشري، وإنما يقوم اعتراضي على وصف الدولة بأنها إسلامية، لأن هذا القول يزعم قداسة الإسلام لمؤسسة هي بالضرورة بشرية وهي بذلك عرضة للخطأ والظلم وعن ذلك يتسامى الإسلام.

ولاستكمال الحديث بإيجاز في موضوع السند من النص، لعله من المفيد أن نشير إلى قوله تعالى "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" و "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" و "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" في الآيات 44 و45 و47 من سورة المائدة التي يسوقها البعض في التدليل على وجوب الدولة الإسلامية. والسؤال هنا من هو المخاطب بهذه الآيات وغيرها من النصوص المتعلقة بالحكم بالعدل والقسط. بحكم طبيعة القرآن، والإسلام نفسه، فهذه النصوص إنما تخاطب الفرد المسلم والجماعة المسلمة، في إقامة ما أنزل الله في حكم أنفسهم أولاً، فإذا فعلوا فسوف ينعكس ذلك على إدارتهم لأمور الدولة.

ولكن بما أن الدولة هي جهاز مشترك لجميع المواطنين، فإن إتباعها لأحكام الإسلام إنما يكون من خلال أخلاق وأعمال القائمين على أداء المهام والأدوار المختلفة، وليس من خلال توهم أن الدولة أو أجهزتها يمكن أن تكون إسلامية بصورة مباشرة. لذلك من الضروري التمييز بين الإسلام كدين والدولة كمؤسسة بشرية حتى لا يقع التضليل على المسلمين بأن أعمال الدولة هي الإسلام نفسه، مما يجعل المعارضة السياسية للحزب الحاكم خروجا على الإسلام.

وإنما يكون تحقيق المسلم للتوجيه القرآني بالحكم بما أنزل الله بتطبيق ذلك على نفسه في كل ما يقول ويفعل أو يترك، لأن ذلك هو المجال الوحيد الذي نقدر عليه ونحاسب ما نفعل فيه. فانا لا أقدر على تغيير سلوك الآخرين ولست مسئولا عنه، ولكنى قادر على إصلاح نفسي ومسئول عن ذلك، وهذا هو منهاج النبي عليه الصلاة والسلام في العلم والعمل، في العبادة والسلوك اليومي بين الناس.

وحتى عندما يخاطب القرآن الجماعة المسلمة، فإنه في حقيقة الأمر إنما يخاطب الأفراد المسلمين لأن الجماعة ليست كيانا مستقلا قادرا على العمل أو محاسب عليه. فإذا انصلح الناس كأفراد واستقاموا على مكارم الأخلاق بالتدين الصادق، انصلحت بذلك جميع أحوالهم وأمورهم في السياسة والاقتصاد والعلائق الاجتماعية وغيرها من الأمور الخاصة والعامة، ولا يهم وقتها من يتولى القيادة السياسية نيابة عنهم، وإذا لم ينصلح حال الناس في دخائلهم وحقيقة سلوكهم الذاتي فلن يجدي أن يتولى الحكم من يدعي إقامة الدولة الإسلامية، وهو زعم باطل ومضلـِّل لعامة الشعب. فوجود الدولة التي تنجح في ممارسة الحكم بما أنزل الله يعتمد تماما على حياة كل منا وفق تعاليم الإسلام على جميع المستويات في حياتنا اليومية، وليس بزعم صفة الإسلامية لمؤسسات الدولة.

ضرورة حياد الدولة تجاه الدين
كما أن مبدأ حياد الدولة في أمور العقائد الدينية وتجنب وهم الدولة الدينية لا يمنع المسلمين من اقتراح السياسات والتشريعات التي توافق أو تنبعث من عقيدتهم الدينية، كما هو حق لكل مواطن، ولكن عليهم أن يدعموا اقتراحهم ذاك بما أسميه "المنطق المدني". وكلمة "مدني" هنا تشير إلى ضرورة أن تبقى عملية الحوار العام حول السياسة أو التشريع المقترح علنية ومتاحةً لكل المواطنين، بدون أي تمييز على أساس الدين أو الجنس أو العنصر. وفي أمر الدين بالتحديد، يجب ألا تكون أمور الحكم والقانون قائمة على فرض عقيدة البعض على الآخرين، وإنما على أساس المنطق المشاع، الذي يمكن لكل مواطن أن يقبله أو يرفضه، أو يقدم البديل من المقترحات، من خلال الحوار العام، دون الاعتماد على دينه أو تقواه لأن تلك اعتبارات ذاتية لا يقدر الآخرون على الاطلاع على حقيقتها أو الحكم عليها، ولا ينبغي لهم ذلك.

ودعوتي للاعتماد على المنطق المدني لا تقوم على توهم أن ذلك أمر سهل أو ممكن التحقيق بصورة عفوية، وإنما هو منهج علينا تأسيسه وتنميته في أنفسنا وتنشئة أطفالنا عليه ودعم غاياته وإشاعة وسائله من خلال التوعية الشعبية الشاملة. فالمطلوب هو تعزيز الاعتماد على المنطق والتفكير العلمى الموضيعى، مع إضعاف نزعة الارتكاز على المعتقدات الدينية الشخصية في مجال السياسة العامة والقانون.

فمن خلال الممارسة اليومية في تقديم أسباب موضوعية للسياسة العامة، ومناقشتها بشكل عام ومفتوح، وفقاً لمنطق يستطيع الجميع أن يقبلوه أو يرفضوه بحرية، سينجح كل مجتمع تدريجيا في تشجيع وتطوير ألإجماع ألواسع بين عامة المواطنين، يتجاوز المعتقدات الدينية المحدودة. والمقدرة على إظهار ألوان من المنطق، ثم الحوار حولها على أساس مدني، موجودة فعلاً في العديد من المجتمعات. لذا فإن ما أدعو إليه هو دفع هذه العملية بصورة متعمدة وشاملة، وليس المطالبة بفرضها كاملةً وعلى نحو فوري.

والتعريف التطبيقي لمفهوم الدولة المدنية يقوم على تنظيم العلاقة بين الإسلام والدولة بما يضمن مقتضيات الحكم الدستوري، والتعددية الدينية والمذهبية والاستقرار السياسي والتنمية، في الإطار المحدد للمجتمع المعين حسب تكوينه الثقافي والعرقي وظروفه الاقتصادية والسياسية. إلا أن هذه الموازنة تأتي من خلال الممارسة العملية، وليس فقط بالتنظير الأكاديمي حول هذه المفاهيم. لهذا، فلابد من التركيز على وسائل التوعية الشعبية لإشاعة هذا الفهم للعلاقة بين الدين والدولة والدين والمجتمع.

ومما يعين على فهم ما أقول ملاحظة التميز بين المجتمع المسلم والدولة الإسلامية المزعومة. كما نرى بوضوح من تجربة السودان فإن مزاعم الدولة الإسلامية إنما تنجح في إشاعة النفاق والفساد ولن تنجح الدولة في أي مكان على إقامة الشريعة بين الناس لأن الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية لا يكون إلا بالنية الخالصة والصدق في القول والعمل، وذلك دائما هو حال المسلم في خاصة نفسه وضميره المغيب عن أجهزة الدولة. فمنهج الإسلام في التربية يقوم على العلم والعمل لدى كل مسلم لتغيير وإصلاح نفسه، وبذلك يتحقق المجتمع المسلم، وليس بإقامة دولة تزعم أنها إسلامية، وتلك مغالطة وخداع للنفس وإرهاب للناس. وهذا التمييز بين الدولة والمجتمع ضروري في كل المجتمعات بما في ذلك المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة.

وكما نرى في حالة السودان وغيره من البلدان الإسلامية فإن وجود أغلبية من المسلمين لا يعني اتفاقهم السياسي بل تختلف الفرق والأحزاب بين المسلمين، فالقول بأن أغلبية المواطنين من المسلمين لا يعني بحال من الأحوال الإجماع على سياسة معيـّنة، وحتى بالدرجة التي يحصل معها اتفاق فسيكون ذلك على مستوى الحكومة وليس على مستوى الدولة. فالخيار الديمقراطي هو دائما للحكومة، بصورة تمكن من تغيير الحكومة في المستقبل، وهذا هو السبب في التمييز بين الدولة والحكومة، لأن الدولة تبقى في خدمة جميع المواطنين دائما على السواء بينما تأتي الحكومة أو حكومة أخرى وتذهب حسب خيار الناخبين.

واستحالة تديين الدولة هي مسألة في جوهر الدين وطبيعة الدولة. فالدولة مؤسسة لا تملك ولا تقدر على الاعتقاد الديني إطلاقا حتى لو أجمع جميع المواطنين على هذا المطلب والخيار الديمقراطي، وهذا يعني أن تكون هناك حكومة منتخبة لمتابعة سياسات يراها البعض إسلامية حسب رغبة الناخبين، ولكن هذا لا يغير طبيعة الدولة نفسها. وفي الدورة التالية قد يتم انتخاب حكومة اشتراكية أو رأسمالية، ليبرالية أو محافظة، ثم تقوم تلك الحكومة بمتابعة سياساتها هي وفق الإرادة الديمقراطية للناخبين، وعلى كل حكومة وضع وتنفيذ سياستها في حدود الحكم الدستوري وضمان الحقوق الأساسية المتساوية لجميع المواطنين، رجالا ونساء، مسلمين وغير مسلمين. فيمكن للحكومة أن تتغير ديمقراطيا شريطة أن تبقى الدولة في خدمة جميع المواطنين. فإذا حاولت الصفوة الحاكمة إلزام المواطنين بفهمها هي للإسلام، فإن ذلك ينتهك حقوق المسلمين المعارضين سياسيا كما ينتهك حقوق المواطنين غير المسلمين.

فالنواجه الفيل بدلا من ظله
على ضوء هذا المنهج ننظر الآن في أمر الخلاص من وهم الدولة الدينية، وإصلاح حال الدولة بما يمكن المسلم من تصحيح وتسديد التزامه بالإسلام في خاصة نفسه، وفى الانتفاع بهدى الإسلام في كافة أحوال المجتمع من حكم وإدارة واقتصاد وأمن وتنمية وعدالة. والسؤال هنا هو كيف ننتقل من الحالة الراهنة إلى تحقق الدولة المدنية المنشودة؟

بطبيعة الحال، فإن التحول والتصحيح إنما يبدأ دائما من الواقع القائم عمليا، ثم يتصاعد إلى تحقيق الغاية المنشودة. فإن الإصلاح لا يكون قفزا في الفضاء، ولا بتمني الغايات، وإنما بتلمس أوجه الخلل وتصحيح كل منها في إطار المفهوم الشامل للدولة المدنية كما يكون باعتماد ما هو صالح وتنميته أيضا في إطار المفهوم الشامل المطلوب. ومن هذا المنظور علينا أن نأخذ بالمبادئ العامة التالية:

أولاً: إن الإصلاح يبدأ فورا في موقف كل منا تجاه القضية بإدراك خلل مفهوم الدولة الدينية ثم بمعرفة وممارسة مقتضيات الدولة المدنية، وكذلك بالعمل مباشرة في تصحيح سلوكنا في مواقفنا المختلفة كمواطنين في الدولة وفي مجال عملنا الرسمي أو التجاري أو المهني. وهذا المنهج الفردي الذاتي والمباشر هو أساس التزام تعاليم الإسلام في التربية الذاتية كما هو أساس العمل العام في أحوال الدولة والمجتمع.

ثانيا: فيما يتعلق بأمور الدولة والحكم وما يلحق بها من أعمال ومهام، إنما ننطلق من العلم بأن الدولة الدينية لم تقم أصلا، وأن الدولة المدنية هي قائمة فعلا في هياكل الدولة وأعمال الحكومة والمناشط العامة، رغم ما لحقها من خلل وفساد بسبب قصور القائمين على أمور الحكم والإدارة والتعليم وسعينا وراء سراب الدولة الدينية المزعومة. فنحن لا نحتاج إذن إلا لاستجلاء متطلبات الدولة المدنية لتحديد النموذج الذي تتم على أساسه معالجة أوجه القصور في النظرية والتطبيق. ولعل معالم ومتطلبات هذا النهج تظهر بصورة عملية من التحليل والشرح التالي.

الدولة المدنية المنشودة هي تلك التي تقوم على مبادئ الحكم الدستوري وضمان حقوق الإنسان وعلاقة هذا وذاك بمفهوم المواطنة الإيجابي والمتفاعل مع أمور السياسة والحكم والإدارة. وجوهر الحكم الدستوري هو الحقوق الأساسية وهي ما أشير إليه هنا بحقوق الإنسان، وغاية الحكم الدستوري هي تمكين المواطن من الحياة في أمن وسلام والاستمتاع بحريته وكرامته الإنسانية. ومركزية الحقوق الأساسية والمواطنة تتجسد وتتشكل في هياكل الدولة ومؤسساتها وتقيد أعمال الحكومة والأجهزة المختلفة وتوظف جميع المناشط في المجالات الرسمية والشعبية العامة في خدمة الأمن والسلام والتنمية، وكل ذلك لتمكين المواطن من الاستمتاع بحريته وكرامته الإنسانية. فالحقوق الأساسية هي الدستور، إما بنصه عليها وضمانها في أعمال القضاء والحكم أو بتجسيدها في الهياكل والمؤسسات الرسمية والمدنية ومتابعتها في المحاسبة السياسية والقانونية.

وهذا المنظور الشامل للحكم الدستوري هو قائم فعلا على مستويات متفاوتة، سواء أكانت هناك وثيقة نسميها الدستور أو لم تكن. ففي حالة السودان مثلا، كان هذا المنظور الشامل للحكم الدستوري قائما على عهد الاستعمار، كما ظل قائما خلال مراحل الحكم الوطني، سواء أكان مدنيا منتخبا أو عسكريا انقلابيا، وحتى خلال مراحل التسلط الدكتاتوري، كما كان عليه الحال في أواخر مايو وبدايات عهد نظام الإنقاذ خلال العقد الأخير من القرن العشرين. فالدولة المدنية لم تكن غائبة تماما كما لم تكن كاملة الصحة والنفاذ في جميع مراحل تاريخ السودان الحديث.

ثالثا: ومن منطق البداية الفورية والذاتية لكل منا حيثما يكون موقعنا الرسمي والمدني، وبحكم الوجود النسبي للدولة المدنية، فإن التصحيح يبدأ هنا والآن، بدلا من انتظار استكمال الشروط المثلى للتطبيق. فلا يجدي أن تنتظر تغيير نظام الحكم الراهن أو اكتمال الوعي بالمواطنة وقيام مؤسسات الحكم الدستوري الرشيد. فكل هذه المواصفات إنما تقوم وتتنامى من عملنا جميعا في حدود ما هو متاح لكل منا في مواقعنا المختلفة. وهكذا، ففي حالة السودان منذ الاستقلال عام 1956 كان التقاعس عن مواجهة مسئولية المواطنة لدينا جميعا وفشل القيادات السياسية في معاجلة قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية هي الأسباب الحقيقة للانقلاب العسكري في نوفمبر 1958. وخلال سنوات الحكم العسكري الأول كنا ننتظر تغيير نظام الحكم لكي نبدأ في التصحيح بدلا من ممارسة التصحيح فوراً في أعمالنا اليومية.

ولذلك عندما تغير النظام من خلال ثورة أكتوبر الشعبية عام 1964 لم نكن على استعداد لإكمال أهداف الثورة في الحكم الرشيد والتنمية ونشر الأمن والاستقرار السياسي، فجاء انقلاب مايو 1969 نتيجة طبيعية لذلك القصور الرسمي والشعبي. وطوال عهد مايو ظلت القيادات السياسية المعارضة وعامة الشعب في انتظار تغيير النظام الحاكم حتى تتوفر الشروط اللازمة للإصلاح بدلا من العمل الفوري على التصحيح في حدود الإمكان. وهكذا مرة أخرى تم إسقاط نظام مايو من خلال انتفاضة أبريل 1985 الشعبية، ثم لم نكن على استعداد لإكمال المشوار. وواصلت القيادات السياسية تخبطها وبقي عامة الشعب على التقاعس واللامبالاة وتبديد رصيد المواطنة المسئولة فجاء انقلاب يونيو 1989 نتيجة طبيعية لكل ذلك. ومرة أخرى تواصلت حلقة الانتظار لدى قيادات المعارضة وعجز عامة المواطنين عن النهوض بواجبات المواطنة.

ومع أن نظام الإنقاذ لم ينهار أمام هبة شعبية مثل أكتوبر 1964 وإبريل 1985، إلا أنه قد انتهى تماما بتناحر قيادات الجبهة القومية الإسلامية على السلطة في نهاية القرن العشرين والتفاوض لإيقاف الحرب الأهلية في جنوب البلاد في بدايات الحادي العشرين. وهكذا جاءت الفرصة التي كانت قيادات المعارضة وعامة الشعب في انتظارها منذ انقلاب يونيو 1989، وها نحن اليوم كما كنا بعد ثورة أكتوبر وبعد انتفاضة إبريل لا نزال ننتظر أن تحل المشاكل نفسها تلقائيا بمجرد تغيير النظام، دون أن تكون عندنا الرؤية الواضحة للغاية المطلوبة ولا الممارسة العملية لمنهج الإصلاح.

ولعل الظروف الآن مواتية أكثر من أي وقت مضى لكسر الحلقة المفرغة من انتظار لتغيير النظام ثم جهل بمقتضيات التصحيح وعجز عن النهوض بمسئولية المواطنة الذي كان حالنا بعد أكتوبر 1964 وبعد إبريل 1985. فبعد اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في يناير 2005، ودخول الحركة في الحكومة، انتهى عهد الإنقاذ المزعوم، دستوريا وقانونيا، وقلـّت الفرص لتعنت أجهزة الأمن. وكل هذا يتيح فرصا للعمل المشروع على جميع المستويات. فإذا جاءت المعارضة من السلطات أو القوى السياسية الأخرى، يكون التعامل معها في ذلك الوقت وحسب الظروف والملابسات الموضوعية. وأهم متطلبات هذا المنهج الذي لا يمكن إنجاز أي نجاح أو تقدم بدونه هو الاستعداد الشخصي لتحمل المسئولية في الفكر والقول والعمل. فإذا اقتنعت أنا بمفهوم الدولة المدنية القائمة على سيادة حكم القانون الدستوري، فعلي أن أعمل من أجل تحقيق ذلك في مدى ومجال موقعي الذاتي ثم تحمل المسئولية عن ذلك فورا وبلا تسويف أو مراوغة.

وهذا لا يعني الاستسلام من غير مقاومة للقمع والإرهاب الذي يتم باسم سلطة الدولة، إلا أن المقاومة لا تكون باللجوء للعنف وإنما الصلابة في الموقف ومحاولة استخدام كل الوسائل السلمية في المقاومة، مثل التقاضي الدستوري والمشاركة السياسية والعمل في التوعية والتعبئة الشعبية. كما يكون هذا العمل في كل المجالات، ويوما بيوم، فلموظف الجمارك والضرائب دوره في تأسيس سيادة حكم القانون، وكذلك للإداري والعامل في المهن الطبية، كما للمعلم وللقاضي ورجل الأمن. وكل هذه الأدوار هي في مجال العمل الرسمي والمهني كما هي في العمل العام، وليس وقفا على الأمور السياسية العليا في تغيير نظام الحكم في قمة الحكومة. وفي حقيقة الأمر، لا يكون التغيير في قمة الحكومة إلا من خلال العمل اليومي المباشر في جميع المجالات المهنية والعامة على مستوى القواعد في الحياة اليومية.

وختاما نعاود مسألة تأصيل الدولة الوطنية في المرجعية الإسلامية والثقافة الشعبية تحقيقا لحق تقرير المصير الوطني للمجتمع المسلم، بصورة تضمن كرامة الإنسان وحق المواطنة المتساوي لجميع المواطنين، رجالا ونساء، مسلمين وغير مسلمين، كما سبق البيان. فذلك التأصيل إنما يكون من خلال الممارسة الديمقراطية وفق الضوابط الدستورية وضمان حقوق الإنسان، وليس بمحاولة فرض إرادة الصفوة الحاكمة من خلال مؤسسات الدولة. وهذا هو المجال الوطني في اتخاذ السياسات وتشريع وتطبيق القوانين المدنية للدولة بواسطة الحكومة المنتخبة ديمقراطيا. فإذا كانت الأغلبية مسلمة حقا فستنفذ إرادتها السياسية من خلال عمل الحكومة، بشرط ضمان حقوق المواطنين على قدم المساواة. ولأن الدولة تبقى على الحياد تجاه المعتقدات الدينية فإن الممارسة الديمقراطية لصالح الأغلبية السياسية في أي وقت لا تكون على حساب إمكانية التغيير الديمقراطي للحكومة القائمة بحكومة أخرى يكون لها الحق في تنفيذ السياسات التي انتخبت على أساسها من خلال أجهزة الدولة التي تحتفظ بحيادها على تعاقب الحكومات.

وهذا المنهج في الحكم الديمقراطي من خلال المشاركة السياسية على أساس المواطنة ووفق الضوابط الدستورية هو السبيل المأمون في ممارسة حق تقرير المصير على تعاقب الأجيال، حيث لا تحرم أغلبية اليوم السياسية أغلبية الغد من كافة الخيارات في السياسات والقوانين بفرض قداسة الإسلام على خيارات اليوم. فإذا أمكن لحكومة اليوم أن تؤمن سياساتها وقوانينها من التغيير عندما تفقد ثقة الناخبين بزعم أن ما تفعله هو الشريعة الإسلامية، فذلك يحرم الحكومة المنتخبة في المستقبل من نفس الحق الذي تمارسه حكومة اليوم. وإذا ظلت السياسات والقوانين التي تتخذها أي حكومة سليمة ومفيدة، فسيتم لها الاستمرار بحكم إرادة الناخبين في المستقبل. وهذا هو حق تقرير المصير الذي يكون مستمرا ونافذا على تعاقب الأجيال، وهذا هو أيضا السبيل المأمون لإزالة آثار الحكم الاستعماري والتدخل الأجنبي من خلال تأمين إرادة المواطنين في اتخاذ السياسات وسن القوانين.

وهكذا يكون المجال مفتوحا لجميع الأحزاب أو التنظيمات السياسية أو الجماعات المذهبية لكي تتنافس بصورة علنية وعادلة في الحصول على ثقة الناخبين، فمن أراد تغيير أي سياسة أو قانون فعليه تقديم الحجة ودعمها من خلال المنطق المدني والحوار الحر وفق الضوابط الدستورية للعملية الديمقراطية. وضمان علنية وعدالة هذا التنافس ضروري لأن المسلمين وغير المسلمين يختلفون في تقديرهم لما هو صالح ومشروع من سياسات وقوانين، فإذا تم الاتفاق من خلال العملية الديمقراطية فذلك سيبقى وينفذ عملياً، وإذا وقع الاختلاف فذلك سينعكس على السياسات والقوانين، مع إمكانية العودة للعمل بهذا الرأي أو ذاك حسب إرادة الناخبين وبمقتضى حق تقرير المصير.

وفى الختام أقول، فإذا وقفنا جميعا وبصلابة تامة ضد وهم الدولة ألإسلامية، ومزاعم تطبيق أحكام ألشريعة ألإسلامية بسلطة الدولة القهرية، فلن يسقط هذا ألقانون ألجائر فحسب، بل وجميع أشكال الظلم للمرأة السودانية، وبذلك نتقدم نحو المجتمع العادل وألإنسانى الرفيع. وإذا بددنا الجهد فى مواجهة "ظل الفيل"، فإننا نهزم قضية الحق والعدل فى كل مكان. فماذا يجدى إبطال القانون موضوع هذه التهمة الغاشمة ضد ألأستاذة لبنى إذا ظل فى مقدورسدنة الدولة ألإسلامية المزعومة أن يأتو بماهو أكثر جورا وبهتانا بإسم الأسلام.

Abdullahi Ahmed An-Na'im (from Sudan) is the Charles Howard Candler Professor of Law at Emory Law. An internationally recognized scholar of Islam and human rights and human rights in cross-cultural perspectives, Professor An-Na'im teaches courses in international law, human rights and Islamic law. His research interests include constitutionalism in Islamic and African countries, and Islam and politics. Professor An-Na'im directed the following research projects which focus on advocacy strategies for reform through internal cultural transformation:
Women and Land in Africa, Islamic Family Law, and Fellowship Program in Islam and Human Rights.

Professor An-Na'im's latest book Islam and the Secular State: Negotiating the Future of Shari`ae, is available in Indonesian and English. Arabic copy is coming out soon.

Education: LLB (Honours), University of Khartoum (Sudan), 1970; LLB (Honours) and Diploma in Criminology, University of Cambridge (England), 1973; PhD (Law), University of Edinburgh (Scotland), 1976.

 
 

home : petition: support: links: voices: contact : about
copyleft to the people